جدل متجدد حول فيلم «الانخلاع» وسياقه

أضيف بتاريخ 06/02/2026
Nour | نور

يثير عرض فيلم «الانخلاع» للمخرج فينسنت غارنق نقاشاً واسعاً في الأوساط الثقافية والإعلامية في فرنسا، بعد تجاوزه عتبة 400 ألف تذكرة منذ إطلاقه في القاعات. يستند العمل إلى وقائع مقتل المدرّس صامويل باتي، ويستعيد الأيام الأخيرة التي سبقت الجريمة من خلال معالجة درامية مستندة إلى معطيات التحقيقات القضائية وشهادات مرتبطة بالملف.



المنتج ستيفان سيمون، الذي شارك في إنجاز الفيلم بعد نشره كتاباً حول القضية عام 2023، يجد نفسه في قلب هذا النقاش. ويتركز الجدل حول طبيعة المقاربة السينمائية لحدث ما زال قريباً زمنياً، إضافة إلى تساؤلات تتعلق بحدود تمثيل العنف المرتبط بالتطرف، ودور المؤسسة التعليمية، وكيفية تحويل واقعة جنائية إلى عمل فني موجه للجمهور الواسع.

في قراءته لردود الفعل، يلفت سيمون إلى أن التفاعل الجماهيري داخل القاعات اتخذ طابعاً مؤثراً، مع تسجيل نسب رضا مرتفعة. في المقابل، برزت انتقادات من بعض المنابر الإعلامية، لم تركز بالدرجة الأولى على البناء الفني للعمل، بل اتجهت نحو خلفيات القائمين عليه ومساراتهم المهنية. ويعتبر أن هذا المسار النقدي يبتعد عن تقييم الفيلم نفسه بوصفه عملاً سينمائياً.

جزء من النقاش ارتبط بمسألة التوقيت، حيث رأى بعض المعلقين أن تناول حادثة بهذا الثقل بعد ست سنوات فقط يطرح إشكاليات أخلاقية وثقافية. غير أن المقارنة مع تجارب سينمائية دولية تناولت أحداثاً كبرى بعد فترات زمنية قصيرة، مثل أفلام تناولت حرب فيتنام أو فضيحة ووترغيت، تُطرح كمرجعية في هذا السياق، بما يعيد طرح السؤال حول العلاقة بين الذاكرة الجماعية والإنتاج الفني.

الفيلم، بحسب صانعيه، لا ينتمي إلى صنف الوثائقيات، بل يقوم على بناء درامي يعتمد مادة موثقة من خلال محاضر التحقيقات ومسارات المحاكمات. ويأتي ذلك ضمن تقليد سينمائي فرنسي اشتغل سابقاً على قضايا قضائية، كما في أعمال أخرى لغانرق تناولت ملفات مثيرة للجدل داخل المجتمع الفرنسي.

على مستوى آخر، طالت الانتقادات شخصية المنتج نفسه، مع الإشارة إلى علاقاته المهنية السابقة وبعض الأنشطة الإعلامية التي شارك فيها. ويرى سيمون أن هذا التركيز يعكس توجهاً نحو محاكمة النوايا أكثر من مناقشة مضمون العمل، في حين يوضح أن نشاطاته المهنية شملت طيفاً واسعاً من الجهات دون انخراط مباشر في حملات سياسية.

ومن بين أكثر النقاط إثارة للنقاش، الاتهام الذي وُجه إلى الفيلم بوصفه معادياً للمسلمين. هذا الاتهام رُوّج له في بعض المنصات الإعلامية، التي اعتبرت أن العمل يقدم صورة منحازة. في المقابل، يشير صانعو الفيلم إلى أن السرد يتضمن شخصيات من عائلات مسلمة وقفت إلى جانب المدرّس، وأن التمييز بين الإسلام كدين وبين التيارات المتطرفة يشكل أحد محاور القصة.

النقاش لم يتوقف عند حدود التوصيفات الثقافية، بل امتد إلى توصيفات سياسية وإيديولوجية طالت المشاركين في العمل، بما في ذلك نعوت مرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط. ويظهر هذا الامتداد كيف يمكن لعمل فني أن يتحول إلى نقطة تقاطع لخطابات متعددة تتجاوز موضوعه الأصلي.

في سياق متصل، أعادت بعض المواقف الأكاديمية طرح مسألة تمثيل شخصية صامويل باتي، حيث عبّر عدد من المدرسين في مقالات منشورة في الصحافة الفرنسية عن تحفظهم إزاء ما اعتبروه نزعة نحو إضفاء طابع بطولي على شخصية الضحية. ويرتبط هذا النقاش بسؤال أوسع حول كيفية تخليد الأحداث العنيفة داخل الذاكرة الوطنية، وما إذا كانت مبادرات مثل إدراج الاسم ضمن قائمة البانثيون تشكل خطوة في هذا الاتجاه.

ويواكب هذا الجدل استمرار عرض الفيلم في عدد من التظاهرات، من بينها عروض خاصة نوقشت ضمن فعاليات مرتبطة بمهرجان كان، حيث اعتُبر العمل جزءاً من نقاش أوسع حول علاقة السينما بالقضايا المعاصرة، كما ورد في مقال حول عرض الفيلم في كان.

بهذا المعنى، يتجاوز «الانخلاع» كونه عملاً سينمائياً ليصبح موضوعاً لنقاش متعدد المستويات، يمتد من النقد الفني إلى الأسئلة المرتبطة بالذاكرة والسياسة والهوية داخل المجتمع الفرنسي.