تستقطب الأفلام التاريخية جمهوراً واسعاً بفضل مشاهدها الملحمية وشخصياتها القوية، إلا أنّ عدداً منها يقدّم صوراً مشوّهة للتاريخ إلى حدّ يجعلها أقرب إلى الخيال منه إلى التوثيق. ومع التركيز على متعة المشاهدة أكثر من التزام الوقائع، تتحوّل هذه الأعمال إلى مصدر التباس لدى المتفرّج الذي يبحث عن فهم حقيقي للماضي.
تشكّل ملحمة «برايفهارت» مثالاً واضحاً على هذا الخلط بين السرد الدرامي والحدث التاريخي؛ فالفيلم الذي حصد إيرادات تجاوزت 200 مليون دولار وفاز بأربع جوائز أوسكار، اعتمد صورة لوليام والاس بوصفه فلاحاً بسيطاً يتحول إلى قائد ثورة، في حين تشير المصادر إلى أنّه كان من طبقة النبلاء الصغرى لا من الفلاحين. كما يستند الخط الدرامي الرئيسي إلى قصة زوجة يُزعم أنّ إعدامها كان الشرارة الأولى للتمرّد، رغم أن وجود هذه الزوجة نفسها موضع شك تاريخي، فضلاً عن تفاصيل أخرى تتعلّق بالملبس والطقوس والمواجهات العسكرية التي ابتعدت كثيراً عن ما توفّره الأبحاث المتخصصة.
هذا الاستخدام الواسع للخيال لا يقتصر على «برايفهارت»، إذ تحضر صورة وليام غيبسون السينمائية عن التاريخ أيضاً في أعمال أخرى مثل «ذي باتريوت» و«أبوكاليبتو»، حيث تتحوّل الخلفية التاريخية إلى مجرد إطار عام لتصعيد الحبكة، من دون التزام بنيوي بالوقائع أو السياقات الزمنية الدقيقة، كما يلاحظ كتّاب التاريخ الثقافي الذين تناولوا هذه الأفلام بالنقد. ومن هنا تنشأ مفارقة لافتة: كلما نجح الفيلم جماهيرياً، ترسّخت في الوعي العام رواية لا تتوافق مع ما تقوله الوثائق والمراجع، ما يخلق طبقة جديدة من «الذاكرة» الشعبية المنفصلة عن التاريخ الأكاديمي.
يتكرّر الأمر في فيلم «جي إف كيه» لأوليفر ستون، الذي قدّمه المخرج باعتباره «أسطورة مضادة» للرواية الرسمية للجنة وارن حول اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي. العمل، الذي وُصف بأنه أقرب إلى نظرية مؤامرة طويلة، يدمج بين مشاهد تمثيلية وأسلوب بصري قريب من الوثائقي، ما يمنح البناء الدرامي طابعاً توثيقياً مضلِّلاً، خصوصاً أنّ ستون صرّح مسبقاً بأنه لجأ عمداً إلى «الترخيص الدرامي» وأن الفيلم «ليس قصة حقيقية بالمعنى الدقيق».
في هذا السياق، يشير نقاد سينمائيون إلى أن «جي إف كيه» ساهم في تعميم روايات مشكوك فيها حول الاغتيال، معتمداً على كتابات سبق أن تعرّضت لتفنيد واسع من جانب المؤرخين والباحثين. وبهذا تصبح الشاشة الكبيرة وسيلة لإعادة تشكيل النقاش العام حول حدث سياسي مفصلي، من خلال لغة سينمائية جذابة توظّف الشك وانعدام اليقين أكثر مما تستند إلى أرشيف موثوق أو تحقيقات رسمية موسّعة.
فيلم «غادياتور» لريدلي سكوت يقدّم مثالاً آخر على الانفصال المتعمّد عن التفاصيل التاريخية؛ فالمخرج نفسه لا يخفي عدم اكتراثه بالدقة، بل يدعو المؤرخين المنتقدين إلى «الانشغال بأمور أخرى» متسائلاً بسخرية عمّا إذا كانوا حاضرين فعلاً في تلك العصور. ومن أبرز الأخطاء المتداولة في هذا العمل قلب دلالة إشارة الإبهام في حلبات المصارعين؛ إذ تُظهر الأحداث «الإبهام إلى الأسفل» بوصفه حكماً بالموت على الخصم المهزوم، بينما تشير قراءات المصادر الرومانية إلى أن الإيماءة كانت تعني في الأصل منح الحياة لا سلبها.
مع ذلك، يسهم هذا النوع من الاختزال البصري في تثبيت صورة نمطية عن روما القديمة: إمبراطورية قاسية تُحسم مصائر البشر فيها بإشارة يد واحدة على مرأى الجماهير. ويبدو أن جاذبية هذه الاستعارة السينمائية بالنسبة إلى صانعي الأفلام تفوق أي اعتبارات تتعلق بتعقيد الحياة الاجتماعية والسياسية في الإمبراطورية الرومانية، بما في ذلك العلاقة بين السلطة والجمهور وآليات العنف المنظّم.
أما فيلم الرسوم المتحركة «بوكاهونتاس» من إنتاج «ديزني» فيطرح إشكالية مختلفة، إذ يتناول شخصية حقيقية من السكان الأصليين لأميركا، لكنه يعيد صياغة سيرتها بالكامل تقريباً. فالشابة المعروفة تاريخياً باسم «أمونوت» والتي كانت تُدعى أيضاً «ماتواكا»، حملت لقب «بوكاهونتاس» باعتباره مجرد كنية، وكانت في العاشرة أو الحادية عشرة من عمرها عندما التقت بالمستكشف الإنكليزي جون سميث الذي كان يبلغ سبعةً وعشرين عاماً.
رغم ذلك، يبني الفيلم حبكته على قصة حب متخيَّلة بين الطرفين، ويضيف إليها مشهد إنقاذ درامي لحياة سميث من الإعدام، وهي حادثة لا تتوافر بشأنها قرائن موثوقة لدى المؤرخين. هذا الاختلاف الجذري بين الرواية السينمائية والبحث التاريخي يثير تساؤلات متكررة حول الطريقة التي تُقدَّم بها قصص الشعوب الأصلية في الثقافة الشعبية، وحول أثر هذه المعالجات على صورة الماضي الاستعماري في الوعي الغربي المعاصر.
يتطرّق مقال «هيستوري فاكتس» أيضاً إلى فيلم «10,000 قبل الميلاد» لرولاند إيمريش، حيث تتداخل عناصر من عصور متباعدة بلا رابط زمني علمي؛ فالفيلم يجمع بين الماموث الصوفي والنمور ذات الأنياب الطويلة وأهرامات ضخمة ولغة مكتوبة في إطار واحد، رغم أن ظهور هذه المكوّنات في الواقع امتد على آلاف السنين في اتجاهات متعاكسة زمنياً. هذه البنية المتخيلة تمنح العمل بعداً أسطورياً، لكنها تخلق تصوراً غائماً عن عصور ما قبل التاريخ، يكاد يختزلها في مشاهد مطاردة ومغامرة تفتقر إلى أي إحالة حقيقية على المعطيات الأثرية.
يخلص التناول النقدي لهذه الأفلام إلى أن الجاذبية الدرامية كثيراً ما تتقدّم على الالتزام بالحقائق، وأن بعض المخرجين يعترفون صراحة بأنهم يسعون إلى «حقيقة عاطفية» أو «أسطورة مضادة» أكثر مما يطمحون إلى إعادة بناء الماضي بدقة. وبالنسبة إلى الصحافي أو الباحث الذي يتعامل مع هذه الأعمال، تصبح مهمته مزدوجة: فهم المنطق الفني الذي يحكم صناعة الصورة، ومقارنته بما يقدّمه المؤرخون من قراءات موثوقة، من أجل تجنّب تحويل الشاشة إلى مرجع وحيد للتاريخ المعقّد.