تعود رواية «برسيبوليس» لمؤلفتها الفرنسية ذات الأصول الإيرانية مرجان ساترابي إلى الواجهة كلما تجدد النقاش حول حضور إيران في المخيال الغربي، وحول قدرة الرواية المصورة على احتضان مواد تاريخية وسياسية معقدة في صيغة سردية قابلة للتلقي الواسع. منذ صدورها بالفرنسية في مطلع الألفية، ثم ترجمتها إلى لغات عديدة وتحويلها إلى فيلم سينمائي ناجح، صار هذا العمل من أكثر السير الذاتية المصورة تداولاً في النقاشات الأكاديمية والإعلامية المتعلقة بالثورة الإيرانية ومآلاتها، وبسؤال تمثيل الشرق الأوسط في الثقافة البصرية المعاصرة. ينهض النص على تجربة شخصية لطفلة تنشأ في أسرة ميسورة ذات ميول يسارية في طهران أواخر حكم الشاه، لتعاين عن قرب زلزال الثورة ثم تشكل الدولة الدينية والحرب مع العراق، قبل أن تنتقل إلى أوروبا وتختبر صدام الهويات والمنفى الداخلي والخارجي في آن واحد.
اختارت ساترابي قالب الرواية المصورة بالأبيض والأسود، مع رسوم مبسّطة وخطوط واضحة توحي في ظاهرها بالبراءة، لكنها تستوعب مضامين ثقيلة من عنف الدولة والحرب والانكسارات النفسية الفردية والجماعية. هذا الاقتصاد البصري في اللون والتفاصيل يرافقه اقتصاد لغوي مماثل، حيث تتتابع المشاهد القصيرة المقتضبة لتشكيل لوحات يومية عن المدرسة والبيت والشارع والطقوس العائلية، ثم عن السجون والمظاهرات والحدود المغلقة. يتيح هذا البناء للقارئ العادي أن يدخل عالم النص من باب الحكاية الشخصية، فيما يجد القارئ المتخصص مادة غنية لقراءة التحولات الاجتماعية والسياسية في إيران ما بعد 1979، كما يتيح للباحثين في دراسات الذاكرة والتمثيل البصري تتبع كيفية تشكل صورة «إيران» في سردية فردية معولمة.
في خلفية السيرة الذاتية، تحضر أسئلة التاريخ السياسي بوضوح من خلال إشارات إلى نفوذ القوى الغربية في عهد الشاه، وضغوط الحرب الباردة، وصعود النخب الدينية، ثم إعادة تشكيل المجتمع وفق منظومة قيمية وتشريعية جديدة تهيمن على الفضاء العام والخاص. غير أن النص لا يتوجه إلى القارئ على شكل درس تاريخي، بل يترك هذه الخلفية تتسرب عبر تفاصيل الحياة اليومية، من تغيّر اللباس وفرض الحجاب في المدارس، إلى الرقابة على الموسيقى والكتب، وتحوّل الخطاب الديني إلى أداة ضبط اجتماعي صارمة. يتجاور في هذه اللوحات السردية حضور المقاومة الفردية الصغيرة، مثل محاولات مارجي المراهقة حماية فضائها الشخصي وعلاقتها بالموسيقى والكتب، مع حضور المقاومة السياسية الأوسع عبر قصص السجناء والمعارضين الذين مروا في حياة العائلة.
من جهة أخرى، تثير عالمية انتشار «برسيبوليس» نقاشاً متكرراً في الدوائر البحثية حول موقع العمل ضمن تاريخ طويل من التمثيلات الغربية لإيران، بين من يراه تجديداً في طريقة نقل صوت إيراني من الداخل إلى الجمهور الدولي، ومن يعتبره جزءاً من سرديات تكرس صورة نمطية عن المجتمعات المسلمة كفضاءات مغلقة محكومة بالتصلب الإيديولوجي. أتاح تحويل الرواية إلى فيلم رسوم متحركة حصل على جوائز دولية أن ينتقل هذا النقاش إلى جمهور أوسع خارج دوائر القارئين للكتب المصورة، لا سيما أن العمل عُرض في مهرجانات كبرى ورافقته قراءات نقدية متعددة في الصحافة الثقافية الأوروبية والأمريكية. وبينما احتفت بعض القراءات بقدرة ساترابي على تقديم تجربة أنثوية معقدة في قلب حدث تاريخي عنيف، انشغل آخرون بمساءلة حدود السيرة الذاتية الفردية عندما تتحول إلى مرجع شبه وحيد لفهم واقع سياسي واجتماعي شديد التشابك.
تتشابك في «برسيبوليس» مستويات عدّة من السرد: الطفولة كزاوية للنظر إلى التاريخ الرسمي، المنفى كتجربة تخلخل الانتماء وتعيد صياغة العلاقة مع الوطن، ثم العودة القصيرة إلى إيران وما تحمله من اكتشاف فجوة زمنية وثقافية بين من غادر ومن بقي. ترسم ساترابي شخصية بطلتها في أوروبا وهي تكتشف نظرة الآخر إلى الشرق الأوسط، وإلى المرأة الإيرانية تحديداً، إذ تجد نفسها محصورة في قوالب مسبقة بين صورة الضحية وصورة المتمردة، وتحاول عبر حياتها اليومية أن تتجاوز هذه الثنائية لصياغة هوية أكثر تعقيداً وتناقضاً. في هذا المستوى، يتقاطع العمل مع نقاش عالمي حول تمثيل المهاجرين واللاجئين والأقليات الثقافية في الثقافة الشعبية، ويقدم مثالاً على كيفية استخدام وسيط فني يبدو بسيطاً، مثل الرواية المصورة، لإعادة رسم خرائط الانتماء والذاكرة والتجربة السياسية. بالنسبة للصحفيين والباحثين في الإعلام، يقدّم «برسيبوليس» نموذجاً مبكراً على إمكان توظيف السرد البصري الطولي في تناول موضوعات تعدّ تقليدياً من اختصاص الصحافة التحليلية أو الدراسات التاريخية، وهو ما يفتح أسئلة حول حدود الأنواع الصحفية والأدبية في زمن المنصات المتعددة.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين على صدور الجزء الأول من الرواية، ما زالت أعمال مرجان ساترابي تحضر في برامج الجامعات والمعاهد، وفي النقاشات الدائرة حول حرية التعبير والرقابة على الكتب والأفلام في بلدان عدة. كما استعاد كثير من القراء «برسيبوليس» في ضوء التطورات السياسية الأخيرة في إيران، والحركات الاحتجاجية التي قادتها شرائح شبابية ونسائية، بوصفها مرجعاً سردياً لفهم جذور التوتر بين الأجيال ورهانات التغيير الداخلي. وبينما تتكاثر اليوم الأعمال السمعية البصرية والمكتوبة التي تحاول تقديم سرديات بديلة عن الشرق الأوسط، يظل هذا العمل حاضراً في الذاكرة الثقافية العالمية كنموذج على قدرة تجربة شخصية موضعية على الوصول إلى أفق كوني، من دون أن تفقد تفاصيلها الملموسة المرتبطة بزمان ومكان محددين.