الله ليس مجبورا"، قصة طفولة مسلحة"

أضيف بتاريخ 06/18/2026
Nour | نور

يقدّم فيلم «الله ليس مجبورا» للمخرج الفرنسي زافان نجّار معالجة سينمائية طويلة بالرسم المتحرك لرواية أحمدو كوروما الصادرة عام 2000، والتي حازت آنذاك جائزة غونكور des lycéens وجائزة رينودو. يستعيد الفيلم مسار بيراهيمه، الطفل الغيني اليتيم الذي يغادر قريته بحثا عن خالة يُفترض أنها استقرت في ليبيريا، قبل أن يجد نفسه منخرطا على نحو قسري في تشكيلات من الأطفال الجنود على تخوم الحروب الأهلية في ليبيريا وسيراليون في تسعينيات القرن الماضي. تتكئ المعالجة السينمائية على صوت بيراهيمه في صيغة الراوي بضمير المتكلم، بلغة مباشرة ومشحونة بالتقاطعات اللغوية، لتعيد إلى الشاشة حكاية طفل يُدفع إلى التعلم السريع لأبجديات السلاح والبروباغندا والانضباط العسكري في فضاء يتقاطع فيه العنف المسلح مع الطقوس الدينية والممارسات السحرية الشعبية.



اختار نجّار شكل الفيلم التحريكي بطول يقارب ساعة وسبع عشرة دقيقة، من إنتاج فرنسي بلجيكي لوكسمبورغي كندي، مع أصوات أداء من بينها مارك زينغا وتوماس نغيجول، في محاولة لصياغة مسافة بصرية مع موضوع الأطفال الجنود دون اللجوء إلى إعادة تمثيل واقعية مباشرة للصدمات الجسدية. يتقاطع هذا الاختيار مع نقاش متكرر في حقل دراسات الصورة حول كيفية تمثيل العنف الجماعي بما يسمح بفهمه وتأطيره دون تحويله إلى مشهد استهلاكي أو تجميله، وهي معادلة يستدعيها الفيلم من خلال بناء جمالي أقرب إلى الحكاية السوداء التي تتجاور فيها التعابير الساخرة مع السرد الحربي. يتجاوز العمل المستوى التقريري ليعيد تركيب اليوميات المأزومة لطفل يجد نفسه في معسكرات غير مستقرة الولاءات، حيث تتبدل الانتماءات المسلحة بسرعة، وتتداخل سلطة القادة المحليين مع الخطابات الدينية والشعارات الثورية.

من الناحية الإنتاجية، عرف الفيلم مسارا طويلا قبل خروجه التجاري، إذ أُنجزت عملية التصوير والتحريك قبل عام 2024 تقريباً، بينما حُددت سنة 2026 لعرضه الواسع في القاعات الفرنسية والبلجيكية بعد جولات في مهرجانات متخصصة في سينما التحريك. حُدد تاريخ 4 مارس 2026 كموعد للخروج في القاعات الفرنسية، مع توزيع تتكفل به شركة باك فيلم، وبدعم من منظمات مثل منظمة العفو الدولية التي تضع الفيلم ضمن أدواتها للتوعية بمسألة تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة. كما برمج عدد من القاعات البلجيكية عروضاً مسبقة أو دورات خاصة للفيلم خلال شهر يونيو 2026، ضمن برامج تجمع بين العروض العامة والنقاشات مع الجمهور حول التمثيلات الثقافية للحروب الأهلية في غرب إفريقيا.

يرتكز البناء الدرامي على رحلة الطريق، حيث يغادر بيراهيمه قريته بصحبة ياكوبا، وهو شخصية مبهمة تجمع بين دور الدليل والراوي الشعبي الذي يساوم على كل شيء ويستثمر في حالة الفوضى المتواصلة. يتحول المرور عبر نقاط التفتيش والقرى المدمرة إلى متتالية من المواقف التي يعبر من خلالها الطفل بين تشكيلات مسلحة مختلفة، من فصائل مرتبطة بجبهة NPFL في ليبيريا إلى مجموعات أخرى في سيراليون وغينيا، ليتعلم عمليا كيف تُصنع الهويات القتالية للأطفال داخل منظومات عسكرية غير نظامية. هذا المسار يسمح للفيلم بإعادة تركيب خريطة العنف في غرب إفريقيا خلال العقد الأخير من القرن العشرين، مع الإشارة إلى أرقام تقريبية لضحايا هذه الحروب، حيث تسببت النزاعات في ليبيريا وسيراليون في مئات آلاف القتلى وملايين النازحين وعشرات آلاف الأطفال المجندين قسراً.

تقدّم عدة منصات سينمائية تعليمية الفيلم كأداة بيداغوجية موجهة للمراهقين من سن الرابعة عشرة تقريباً، من خلال التركيز على محاور الحرب، الأطفال الجنود، الروابط العائلية، واستراتيجيات البقاء في بيئة منهارة المؤسسات. هذا التوجه يتقاطع مع مسار الرواية الأصلية التي استُخدمت بدورها في فضاءات تعليمية وجامعية لفهم ديناميكيات النزاعات الأفريقية المعاصرة، كما يفتح نقاشاً حول حدود توظيف العمل الفني في التوعية الحقوقية، خاصة حين يكون الجمهور المستهدف من تلاميذ المدارس والثانويات. يتيح الشكل التحريكي مساحة للتعامل مع قسوة الوقائع من دون عرض مباشر للصور الصادمة، مع الحفاظ على إمكانية الإشارة إلى بنية العنف واستمراريته في الذاكرة الجماعية.

على مستوى التلقي، تراهن الجهات الداعمة للفيلم على الجمع بين جمهور cinephile مهتم بالسينما الأفريقية والأدب الفرانكوفوني، وجمهور من الفاعلين في مجالات التربية وحقوق الإنسان والبحث في العدالة الانتقالية. تتقدم هذه الرهانات في مرحلة تتزايد فيها الأعمال المرئية التي تعيد قراءة تجارب الأطفال الجنود في القارة الأفريقية، مع انتقال جزء منها إلى أشكال التحريك أو المزج بين الوثائقي والتخييل، ما يضع «الله ليس مجبورا» ضمن حركة أوسع تحاول إعادة التفكير في علاقة الصورة بحفظ الذاكرة والنقاش العمومي حول العنف السياسي. في هذا الأفق، يجمع الفيلم بين مرجعيته الأدبية المتجذرة في نص كوروما، وخياره الجمالي القائم على التحريك، ومساره التوزيعي الذي يربط بين المهرجانات المتخصصة وشبكات قاعات الفن والتجريب وبرامج الجمعيات الحقوقية.