في المغرب، ليست "الشيخة" مجرد مؤدية للغناء والرقص الشعبي؛ إنها ذاكرة تمشي على قدمين، وامتداد لخط شفهي طويل اسمه العيطة، بدأ كنداء وقصيدة و"أرشيف حي" ينقل أخبار الناس ويؤرّخ لمقاوماتهم ورغباتهم ومواجعهم. في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد، حين كانت الصحف نادرة والراديو ترفاً بعيداً عن القرى والبوادي، حملت الشيخة الكلمات على اللحن، وجعلت من الأداء الشعبي وسيلة لنقد السلطة، وفضح عسف القيّاد، ومداواة الجروح الجماعية بصوتٍ جهوري يوقظ الوعي قبل الطرب.
تاريخياً، تَعني "العيطة" النداء أو الصرخة؛ صرخة امرأة أو جماعة في وجه الظلم، أو نداءً للتعبئة واستنهاض الهمم. ومن رحم هذا المعنى وُلدت أسطورة خربوشة، أيقونة الغناء المقاوم في مناطق عبدة وحواضر الساحل. واجهت القيّاد المستبدّين بكلمات مُحكّمة وإيقاع لاذع، فصار صوتها سلاحاً رمزياً لا يقل شأناً عن البندقية، وتحوّلت حكايتها إلى سردية تأسيسية لفهم كيف يكون الغناء فعلاً مدنّساً في عيون السلطة، وقداساً مدنّساً لصالح الناس في آنٍ واحد. تقول الذاكرة الشعبية إن نهايتها كانت مأساوية، لكن بدايتها ما تزال تتكرر: امرأة تصعد المنصة لتقول ما لا يُقال، وتستعيد للجموع حقّها في الكلام.
المفارقة أن هذا الفن الذي وُلد في العراء – في الأسواق والمواسم والأعراس – دخل لاحقاً فضاءات المدن الحديثة، فاكتسب سمعة ملتبسة بفعل التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية: مزجته بنايات الليل، وشوّهته قراءات أخلاقية سطحية تقلّصه إلى ترفيهٍ عابر، أو تلصقه بوصمات جاهزة. غير أنّ جوهره لم يتبدل: العيطة خطابٌ عام باللهجة، يُضمّن الاستعارة والرمز والتورية، ويؤدي وظيفة الصحافة الشعبية قبل ظهور الصحافة المهنية، ويفعل ما تفعله الافتتاحية الجيدة: يعلّق، ينتقد، ويقترح معنى للحظة.
اليوم، يعود موضوع "الشيخة" إلى الواجهة بقوة، عبر السينما والأبحاث والمشاريع الفنية التي تُعيد قراءة الأرشيف وتفتح نقاشاً حول الجندر والجسد والذاكرة. في السينما، تُستعاد السيرة الروحية للعيطة كأرض مشتركة بين الفن والمقاومة؛ وفي الفن المعاصر، تُقدَّم "الشيخات" كأيقونات قادرات على تفكيك تمثلات الاستعمار والأبوية معاً، وتوسيع النقاش حول من يملك السردية ومن يغنيها. وعلى الضفة الأخرى، تتجدد السجالات المحافظة حول حضور الشيخة في الفضاء العام، بما يكشف تنازعاً قديماً جديداً حول معنى الفن، وحدود الأخلاق، ومكانة المرأة حين تكون صاحبة صوت وصدارة.
لكن وسط هذا الضجيج، تظل حقائق بسيطة ودامغة: أن العيطة تراث لا يُختزل في وصمة، وأن الشيخة فنّانة ومؤرخة ومعلّمة في آن واحد، وأنّ هذا اللون، مهما اختلفت الأذواق، جزء من الهوية السمعية للمغرب، ومن سلالة أوسع أفرزت الشعبي وأثّرت في الذائقة المدينية. وأنّ ما يبدو "ترفيهاً" في السطح، هو في العمق سياسة لغوية للمجتمع وهو يتحدث مع نفسه، ويُرمّم ذاكرته بجملٍ موزونة على إيقاع الكمنجة والبندير.
إنقاذ هذا الإرث لا يكون بتجميله أو تسطيحه، بل بإعادته إلى مكانه الأصلي: فن قول الحقيقة بلغة الناس. يلزم ذلك جهداً بحثياً لتوثيق النصوص والروايات الشفوية، وتربيةً موسيقية تُخرِج العيطة من سوء الفهم المتوارث، ومساحات عرضٍ تحفظ كرامة المؤديات والمؤدين، وتتيح للأجيال الجديدة أن تتعلم الصنعة خارج الصور النمطية. كما يلزمه خيال فني يربط بين الأمس واليوم: مسارح تُجرّب، أشرطة تُؤرشف، حفلات تُبنى على الدقة لا على السوق وحده، ونقاش عمومي يليق بقيمة هذا الفن الذي صمد بالنداء… والنداء لا يموت.



