أعاد مقال نشرته مجلة «نيويوركر» أواخر مايو 2026 قراءة المواجهة التي تفجرت نهاية ثمانينيات القرن الماضي بين المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي والحركات الإنجيلية المحافظة في الولايات المتحدة، على خلفية فيلمه «الإغراء الأخير للمسيح» المنتج عام 1988، والذي تحول إلى محور معركة ممتدة بين استوديو «يونيفرسال» وتحالف واسع من منظمات مسيحية اعتبرت العمل إساءة جوهرية لشخص المسيح وصورته في الوعي الديني الشعبي.
يستعيد المقال مسار علاقة المخرج بالمسألة الدينية منذ طفولته الكاثوليكية في نيويورك، حين كان يتخيل منذ سن مبكرة إنجاز فيلم عن يسوع، مروراً باكتشافه لرواية نيكوس كازانتزاكيس «الإغراء الأخير للمسيح» مطلع الستينيات، ثم عودته إليها بعد أكثر من عقد ليحصل على حقوق اقتباسها ويكلف زميله المقرب بول شرادر بكتابة سيناريو يلتزم بمنظور داخلي شديد التركيز على وعي الشخصية الرئيسية.
ينقل المقال أن رواية كازانتزاكيس نفسها كانت قد أثارت غضب مؤسسات كنسية قبل عقود، إلى حد التلويح بإقصاء الكاتب من الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية بسبب تقديمه صورة ليسوع كشخص يعيش صراعاً روحياً حاداً، يتأرجح بين دعوته الإلهية ورغباته البشرية العادية، وهي زاوية قرأها سكورسيزي باعتبارها محاولة لتقريب التجربة الدينية من هموم الإنسان المعاصر بعيداً عن الصور المثالية الجامدة. ومع تحوّل المشروع إلى فيلم طويل لصالح «يونيفرسال»، انتقل النقاش من دائرة لاهوتية وأدبية إلى مواجهة سياسية وثقافية ذات طابع جماهيري، إذ تمكنت مجموعات منظمة من اليمين الديني من تعبئة الكنائس والبرامج الإذاعية المسيحية وحملات البريد المباشر من أجل وقف العرض.
يشرح المقال أن هذه الحملة لم تكتف بأساليب الضغط التقليدية على الاستوديوهات والجهات الموزعة، بل امتدّت إلى محاولات تشريعية في بعض الولايات، ودعوات إلى مقاطعة شركات تابعة للمجموعة المالكة لـ«يونيفرسال»، وتهديدات متكررة لصالات العرض التي توافق على برمجة الفيلم، الأمر الذي دفع بعض دور السينما إلى التراجع عن استقباله خوفاً من الاحتجاجات أو من تكلفة حماية منشآتها. وفي أوروبا، يذكر المقال أن التوتر بلغ مستويات قصوى في فرنسا، حيث استُهدفت إحدى القاعات بتفجير حارق خلال عرض الفيلم، في مؤشر على قدرة التمثيلات الفنية للدين على الانزلاق نحو عنف مادي حين تتحول إلى موضوع تعبئة تنظيمية مكثفة.
على المستوى الجمالي والفكري، يلفت كاتب المقال إلى أن مقاربة سكورسيزي للموضوع لم تكن تهدف إلى إنكار البعد المقدس في شخصية المسيح، بقدر ما سعت إلى استكشاف لحظة افتراضية يتصور فيها يسوع حياة بديلة، زوجية وعائلية، قبل أن يعود إلى طريق الصليب، بما يسمح بقراءة التجربة كدرس في حرية الاختيار والتخلي. غير أن هذا البناء الدرامي القائم على «إغراء» افتراضي اعتبرته قطاعات واسعة من المسيحيين المحافظين مسّاً بجوهر الإيمان، رغم أن النهاية تعيد تثبيت المسار التقليدي للرواية الإنجيلية، ما جعل الفيلم يتعرض لإدانة شاملة من جانب قيادات الكنائس الإنجيلية، وبعض الأساقفة الكاثوليك، وشخصيات سياسية اعتبرت الدفاع عنه مثالاً على صدام متزايد بين هوليوود والجماعات المؤمنة.
يقدّم المقال أيضاً قراءة موازية لطريقة تعامل «يونيفرسال» مع هذه الأزمة، بوصفها نموذجاً مبكراً لإدارة «حروب الثقافة» المرتبطة بالدين، حيث حافظت الشركة في النهاية على قرار طرح الفيلم، مع قبولها بإضافة تنبيهات توضيحية وترتيب عروض محدودة، في محاولة لتخفيف التوتر دون تقديم تنازلات جوهرية في مضمون العمل. ومع أن العائدات التجارية لم تكن مرتفعة مقارنة بأعمال سكورسيزي الأخرى، فإن التجربة رسخت صورة المخرج كصاحب مشروع شخصي شديد الارتباط بالأسئلة الروحية، وأكدت في الوقت نفسه قدرة الجماعات المنظمة من اليمين الديني على التأثير في قرارات صناعة الترفيه الأمريكية.
يربط المقال بين تلك المواجهة وبين تحولات لاحقة شهدها المشهد السمعي البصري المسيحي في الولايات المتحدة، حيث اتجهت فئات من الجمهور المتدين إلى بناء منظومة بديلة من الإنتاجات الموجهة للمؤمنين، تطورت مع الوقت من أفلام منخفضة الكلفة إلى سلاسل تلفزيونية واسعة الانتشار مثل «ذا تشوزن»، وإلى منصات رقمية وبرامج وثائقية تحمل توقيع أسماء سينمائية بارزة من بينها سكورسيزي نفسه، الذي شارك في إنتاج سلسلة وثائقية عن القديسين بُثّت على منصة محافظة. في هذا الإطار، يُقرأ فيلم «الإغراء الأخير للمسيح» بوصفه محطة مبكرة في إعادة رسم الحدود بين هوليوود السائدة، والجماهير المسيحية المطلقة التي انتقلت من موقع الدفاع إلى محاولة بناء فضاء سمعي بصري يحمل توقيعها الخاص.
إلى جانب استعادة أحداث أواخر الثمانينيات، يستحضر النص أيضاً النقاش الأوسع الدائر اليوم داخل الأوساط المسيحية الأمريكية حول العلاقة بين الإيمان والثقافة الشعبية، في وقت تتزايد فيه الأصوات التي تدعو إلى مشاركة أكثر تعقيداً مع السينما والتلفزيون، بدلاً من الاكتفاء برفض شامل لما يُنظر إليه باعتباره «إساءة» أو «تدنيساً». ويرى الكاتب أن تجربة سكورسيزي، بما فيها من صراع وتقاطعات بين المعتقد الشخصي والحس السينمائي، أصبحت مرجعاً يستعاد كلما برز عمل فني يتناول شخصيات دينية مركزية، حيث تُستخدم أحداث 1988 كدرس تحذيري للمنتجين من جهة، وكحجة للمطالبين بحرية أوسع في التمثيل الفني من جهة أخرى.
يبدو أن استرجاع تلك المرحلة لا يهدف فقط إلى توثيق صدام تاريخي بين مخرج بارز وتحالف ديني واسع، بل إلى طرح سؤال مستمر حول موقع الدين في الفضاء الثقافي الأمريكي، وحدود الممكن في تصوير الشخصيات المقدسة على الشاشة الكبيرة. وبينما تستمر النقاشات المعاصرة حول أعمال دينية جديدة، وأدوار المنصات المحافظة في تشكيل خريطة الإنتاج، يعود فيلم «الإغراء الأخير للمسيح» ليعمل كمرجع ضمن ذاكرة مشتركة لقطاع من المؤمنين وصناع السينما على حد سواء، بما يحمله من توتر بين الحرية الفنية وحساسية الاعتقاد.


