يتعامل كتاب «تخيّل القيامة في السينما» مع موضوع نهاية العالم في الأفلام لا بوصفه مجرد مادة فرجوية قائمة على الدمار والمشاهد الكارثية، بل باعتباره حقلاً دلالياً معقداً تتقاطع فيه المرجعيات الدينية والتمثلات السياسية والاجتماعية والهواجس البيئية والتكنولوجية. يضم الكتاب دراسات لعدد من الباحثين في علوم الأديان والسينما وتحليل الخطاب، وهو ثمرة عمل جماعي انطلق من ملتقى أكاديمي خُصص لفحص حضور «القيامة» في التخييل البصري المعاصر. تنطلق المقاربات من ملاحظة أن السينما، منذ عقود، لم تعد تكتفي بتصوير نهاية فجائية للعالم، بل تميل إلى بناء عوالم سردية تتابع ما قبل الكارثة وما بعدها، بحيث تتحول النهاية إلى مختبر رمزي لتجربة حدود النظام السياسي والاقتصادي والعائلي، وحدود الجسد البشري نفسه.
يركز جزء من العمل على التمايز بين معنى «القيامة» في النصوص الدينية، وبخاصة في سفر الرؤيا في التقليد المسيحي، وبين تمثيلاتها السينمائية. في المتن اللاهوتي، تحضر القيامة باعتبارها كشفاً لمعنى التاريخ ووعداً بتحول وجودي شامل، بينما تختار غالبية الأفلام التركيز على لحظة الانهيار، مع تضييق مساحة البعد التجديدي أو الخلاصي. هذا الانزياح من «الوعد» إلى «التهديد» يسمح للباحثين بتتبع كيفية توظيف مفردات الرؤى الدينية، مثل الفرسان أو العلامات الكونية أو المدينة الموعودة، كرموز عائمة تعاد قراءتها داخل سياقات علمانية، لتصبح تارة استعارة لانهيار المنظومة الاقتصادية العالمية، وتارة ترجمة مرئية لخوف مجتمعات بعينها من الأوبئة أو الإرهاب أو الفوضى التكنولوجية.
في محور آخر، يقارب الكتاب السينما كأداة لإعادة ترتيب التجربة الجماعية للصدمة. الأفلام التي تتناول نهاية العالم، سواء من خلال كوارث طبيعية أو حروب نووية أو اجتياحات كائنات غريبة أو انهيارات بيئية شاملة، لا تقدم فقط مشاهد تهويلية، بل تقترح دائماً شكلاً من أشكال التنظيم الجديد للعلاقات بين الأفراد والمؤسسات. غالباً ما يمر السرد عبر ثلاث شخصيات متكررة: من يمتلك رؤية استباقية لما سيقع، ومن ينجو ليحمل ذاكرة العالم القديم، ومن يتبنى خيار المواجهة لإعادة تأسيس نظام مختلف. هذا التوزيع يساعد على قراءة الأفلام بوصفها تمارين على إعادة بناء المعنى بعد الانهيار، حيث يتحول الناجي إلى شاهد ومؤرخ ومهندس اجتماعي في الآن نفسه.
تمنح المقاربات الواردة في الكتاب مساحة خاصة للسينما الهوليوودية، لما لها من تأثير عابر للحدود، لكنها لا تحصر النقاش فيها. فبعض الدراسات يلفت الانتباه إلى سينمات أخرى تستعير مفردات القيامة لتفكيك تجارب محلية، كالحروب الأهلية أو الانقلابات أو الانهيارات الاقتصادية، فتتجاور الرموز الكونية مع تفاصيل يومية ملموسة. هذا التعدد في الأطر المرجعية يبيّن أن «نهاية العالم» في السينما لا تحيل بالضرورة إلى فناء كوكبي شامل، بل قد تكون نهاية عالم اجتماعي أو سياسي محدد، أي نهاية نظام معنى تعتبره جماعة ما أساس هويتها واستقرارها. بذلك يتحول المتخيل القيامي إلى أداة لقول تحولات السلطة، وتبدل أنماط العيش، وتصدع السرديات الكبرى التي حكمت القرن العشرين.
يمنح الكتاب كذلك اهتماماً بالعلاقة بين الصورة والحس التاريخي لدى الجمهور. فالتكرار المكثف للسيناريوهات الكارثية يساهم في ترسيخ شعور باستمرارية التهديد، حتى عندما تكون الوقائع الفعلية أقل درامية بكثير من المشهد السينمائي. ومن خلال تحليل أمثلة متعددة، تُظهر الدراسات كيف أن بعض الأفلام تتبنى بوضوح خطاباً تحذيرياً من اختلالات بيئية أو من سباقات تسلح أو من توسع أنظمة مراقبة شاملة، بينما تعتمد أخرى على بنى قصصية تترك التأويل مفتوحاً، فلا يعرف المتلقي ما إذا كان الانهيار عقاباً، أو نتيجة مباشرة لخيارات بشرية، أو مجرد حادث كوني بلا دلالة أخلاقية. هذا التذبذب يؤشر إلى تردد الثقافة المعاصرة بين رغبة في تفسير الأحداث ضمن سردية كبرى، وميل موازٍ إلى اعتبار التاريخ مجالاً للاعتباط واللايقين.
يهم القارئ المهتم بالعلاقة بين الأديان والوسائط السمعية البصرية أن هذا العمل لا يعامل المرجع الديني كعنصر ثابت يستنسخه الفيلم كما هو، بل كخزان رمزي يخضع لعمليات اقتباس وترجمة وانتقاء. بذلك تصبح دراسة القيامة في السينما مدخلاً إلى فهم كيفية إعادة تشكيل المتخيل الديني في المجتمعات المعاصرة، سواء عبر تفريغه من أبعاده التعبدية لصالح أفق تأملي أو نقدي، أو عبر تكثيفه في صور عنيفة تؤطر الخوف وتعيد توزيعه. كما يقدم الكتاب مادة أولية ثمينة لتغذية النقاش المهني حول تمثيل الكوارث والأزمات في الإعلام البصري اليوم، وحدود الانتقال من المعالجة الصحفية إلى التصوير التخييلي، وتأثير ذلك على إدراك الجمهور للتهديدات الفعلية التي تواجهها البشرية.



