تطرح مقالة أمين الزاوي في موقع «اندبندنت عربية» إشكالية خاصة بسينما الأعياد العربية، حيث تتحول قاعة العرض خلال عطلة العيد إلى فضاء عائلي مختلط، يجتمع فيه جيل الأطفال والمراهقين والآباء والأجداد، ما يمنح الأفلام المعروضة حمولة ثقافية مضاعفة بحكم تأثيرها في الذاكرة الجماعية. يستند الكاتب إلى هذا المعطى الاجتماعي ليعيد النظر في مسؤولية صنّاع السينما، حين تتزامن عروض العيد مع شعيرة دينية قائمة على الصلاة، وتلاوة السور القرآنية، وأجواء روحية يفترض أنها تؤطر المخيال العام في تلك الأيام.
ينطلق الزاوي من المفارقة بين السورة، بما تحمله من إيقاع لغوي ومعنى تعبدي، والصورة السينمائية التي تقدم، في جانب مهم من أفلام الموسم التجاري، محتوى يقوم على الإغراء الجسدي والمطاردات والخفة اللفظية، مع حضور واضح للكوميديا القائمة على النكتة السريعة والإضحاك المباشر. يقرأ هذه المفارقة لا بوصفها صداماً دينياً مع الفن، بل بوصفها تناقضاً بين مستوى الخطاب الديني المكثف في الفضاء العام خلال العيد، ومستوى الخطاب البصري الذي تقترحه الشاشة على جمهور واسع يجد نفسه ينتقل في اليوم نفسه من متابعة خطبة العيد إلى حضور فيلم تجاري خفيف.
يتوقف الكاتب عند طبيعة ما يسمى بأفلام «الموسم» في الأعياد، حيث تستثمر شركات الإنتاج هذا الموعد الجماهيري لضمان مداخيل مرتفعة، فيتم الميل عموماً إلى أعمال سريعة التصنيع، مبنية على حضور نجوم التلفزيون والإنترنت، أكثر من اعتمادها على سيناريو متماسك أو بحث جمالي في الصورة. يقرأ الزاوي هذا المنحى باعتباره تعبيراً عن تحول السوق إلى المحدد الأول لخيارات المحتوى، في مقابل تراجع الاهتمام بالسؤال الجمالي أو التربوي، خاصة حين يتعلق الأمر بفضاء يجلس فيه الطفل إلى جوار الكبير، ويتقاسم الجميع الصور نفسها من دون أي ترشيح مسبق أو تدرج عمري في التلقي.
من هذه الزاوية، تتحول قاعة السينما في العيد إلى مرآة لمستوى النقاش المجتمعي حول علاقة المقدس بالفرجة الحديثة، إذ يلاحظ الكاتب أن كثيراً من الخطابات الدينية التي تتكثف في تلك الفترة تركز على السلوك الفردي من صلاة وصوم وصدقات، لكنها نادراً ما تدخل في نقاش عميق حول ما يراه الناس على الشاشة أو يسمعونه في الأغاني والإعلانات المرافقة لموسم العيد. يضع الزاوي هذا الصمت إزاء الصورة في مقابل مركزية السورة في التعليم الديني، فيتولد سؤال ضمني حول سبب تركيز المؤسسات الدينية على الكلمة المنطوقة وإهمال قوة الصورة المتحركة في تشكيل القيم والتمثلات.
في تحليله، يستحضر الكاتب فكرة أن الأجيال الجديدة تتشكل مخيلتها اليوم عبر وسائط بصرية أكثر من تعلقها بالكلمة المكتوبة أو المسموعة، وهو ما يجعل السينما، خاصة في موعد جماهيري مثل العيد، أداة فعالة للتربية غير المباشرة، سواء أراد المنتج ذلك أم لم يرده. لذلك يلمّح إلى أن بعض الأفلام التي تراهن على الهزل الخالص، أو على تسطيح العلاقات داخل الأسرة والمجتمع، تقدم نموذجاً للعلاقات الإنسانية يصير مع مرور الوقت جزءاً من المخزون الذهني للمراهق، في حين تبقى السور والأحاديث التي يسمعها في خطبة العيد معلقة في مستوى الوعظ النظري.
لا يقترح الزاوي حلاً تشريعياً أو رقابياً، ولا يدعو إلى إقصاء سينما الترفيه من مواسم الأعياد، لكنه يفتح سؤالاً حول إمكان تصور «سينما عيد» مختلفة، تنطلق من نفس الروح الاحتفالية والبحث عن المتعة، لكنها لا تتنازل بالكامل عن عمق الموضوع أو عن احترام حساسية اللحظة الدينية. يتضمن هذا التصور، كما يفهم من سياق المقال، نوعاً من التعاقد الضمني بين الفنان والمتلقي، يقوم على الاعتراف بأن العيد ليس مجرد موسم استهلاك، بل فترة تتكثف فيها المعاني الرمزية، ما يرفع من قيمة كل صورة تُعرَض خلالها، سواء كانت مشهداً كوميدياً أو لحظة تأمل درامي.
يلمح الكاتب أيضاً إلى أن سؤال السورة والصورة لا يخص فقط الأعياد، بل يعبر عن مفصل أوسع في الثقافة العربية المعاصرة، حيث تستمر المرجعية النصية، الدينية والأدبية، في احتلال موقع مركزي في الخطاب النخبوي، بينما تفرض الصورة التلفزيونية والسينمائية حضورها في الحياة اليومية بتأثير أكبر وأكثر استمرارية. من هنا يخرج المقال من منطق الانزعاج الأخلاقي من بعض أفلام العيد، نحو قراءة أعمق لعلاقة المجتمع العربي المعاصر بموروثه النصي من جهة، وبالاقتصاد الرمزي لصناعة الترفيه من جهة أخرى، مع ترك الباب مفتوحاً أمام نقاش نقدي لا يلجأ إلى أحكام قطعية، بل يتعامل مع السينما بوصفها جزءاً من حقل أوسع لإعادة تشكيل الحس الديني والجمالي لدى الأجيال الصاعدة.


