الصلاة الكبرى بتلمسان في عدسة استعمارية مبكرة

أضيف بتاريخ 06/25/2026
Nour | نور

يمثل فيلم «الوثائقيات الاستعمارية: الصلاة الإسلامية الكبرى» إحدى أقدم الشهادات البصرية المصورة عن شعائر الجمعة في الجزائر خلال النصف الأول من القرن العشرين. أُنتج العمل لصالح شركة Pathé الفرنسية ضمن سلسلة موجهة للجمهور الأوروبي، وعُرض عبر أجهزة العرض المنزلية Pathé Baby التي انتشرت في عشرينيات القرن الماضي. النسخة المحفوظة اليوم ضمن أرشيف جامعة برنستون تتيح إعادة قراءة هذا التسجيل القصير بوصفه مادة تاريخية مركبة تجمع بين التوثيق البصري والخطاب الاستعماري.



تبلغ مدة الفيلم أقل من ثلاث دقائق، غير أن كثافته البصرية واضحة. تبدأ اللقطات من أعلى مئذنة المسجد الكبير في تلمسان حيث يُرفع الأذان، ثم تنتقل إلى مشاهد الوضوء في الفضاءات المحيطة، قبل أن تُظهر تجمع المصلين داخل المسجد لأداء صلاة الجمعة. الكاميرا ثابتة في معظم المشاهد، ما يعكس تقنيات التصوير المبكر، لكنها تلتقط تفاصيل دقيقة للحركات الجماعية، وأنماط اللباس، وتنظيم الفضاء الديني. هذه العناصر تمنح الباحثين مادة نادرة لدراسة الممارسات اليومية أكثر من الخطابات النظرية.

المسجد الكبير في تلمسان، الذي شُيّد في القرن الثاني عشر خلال الدولة المرابطية، يشكل بحد ذاته موضوعًا تاريخيًا ذا أهمية. ظهوره في هذا التسجيل يقدّم توثيقًا بصريًا مبكرًا لبنية معمارية ودور ديني ظل قائمًا عبر تحولات سياسية متعددة. كما أن تصوير صلاة الجمعة تحديدًا يمنح بعدًا إضافيًا، إذ يتعلق الأمر بشعيرة جماعية مركزية في الحياة الإسلامية، ما يجعل الفيلم مرجعًا بصريًا لدراسة التنظيم الاجتماعي المرتبط بها.

غير أن القيمة الوثائقية للفيلم لا تنفصل عن سياق إنتاجه. فهو جزء من سلسلة «Documentaires Colonies» التي هدفت إلى تقديم المستعمرات الفرنسية للجمهور الداخلي بوصفها فضاءات غريبة وقابلة للاكتشاف. التعليقات المصاحبة للعمل، كما تظهر في الوصف الأصلي، تتضمن تعميمات حول المجتمع المسلم، من بينها تصوير النساء باعتبارهن خارج الفضاء الديني للمسجد، أو الإيحاء بثبات التقاليد. هذه الصياغات لا تقدم معطيات محايدة، بل تعكس رؤية إثنوغرافية استعمارية تسعى إلى تصنيف المجتمعات المحلية ضمن قوالب ثقافية جامدة.

اسم المصور أو المخرج، ر. ألكسندر، يرد في الوثيقة دون أن تتوافر حوله معلومات موسعة في سجلات تاريخ السينما. هذا الغياب يعكس طبيعة الإنتاج الصناعي لشركة Pathé، حيث كانت العديد من الأفلام تُنجز ضمن فرق تقنية دون إبراز فردي للأسماء. ومع ذلك، فإن العمل يندرج ضمن موجة أوسع من التصوير الاستعماري الذي رافق التوسع الفرنسي في شمال أفريقيا، مستفيدًا من تطور تقنيات السينما لنقل صور «المستعمرات» إلى أوروبا.

عند مقارنته بأعمال أقدم، مثل تصوير ألكسندر بروميو للجزائر عام 1896 أو فيلم «Alger: prière du muezzin» في الفترة نفسها، يظهر أن هذا الشريط ينتمي إلى مرحلة لاحقة من تطور الصورة الاستعمارية. الانتقال من لقطات تجريبية قصيرة إلى مواد أكثر تنظيمًا يعكس تحول السينما من أداة استكشاف تقني إلى وسيلة سرد بصري موجهة بأهداف ثقافية وسياسية.

يتيح هذا الفيلم، إذن، مستويين من القراءة. الأول توثيقي، يقدّم مشاهد حية لشعائر دينية في فضائها التاريخي. والثاني نقدي، يرتبط بتحليل الإطار الذي أُنتجت فيه هذه الصور واللغة التي صاحبتها. الجمع بين المستويين يفتح المجال أمام مقاربات معاصرة تسعى إلى تفكيك الأرشيف الاستعماري، ليس برفضه، بل بإعادة تفسيره في ضوء سياقاته الإنتاجية.

هذا النوع من المواد يكتسب أهمية متزايدة في دراسات الإعلام والتاريخ البصري، خاصة مع رقمنة الأرشيفات وإتاحتها للباحثين. إعادة تداول هذه الصور اليوم لا تعني فقط استعادة الماضي، بل تطرح أيضًا أسئلة حول كيفية تشكّل المعرفة البصرية عن المجتمعات غير الأوروبية، ومن يملك سلطة إنتاجها وتفسيرها.