يعود الاهتمام بحوار قديم مع المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي إلى الواجهة بعد أن أعاد موقع فرنسي نشر مقتطفات منه، يتحدّث فيها صاحب «سائق التاكسي» عن علاقته المعقّدة بالدين الكاثوليكي ومحاولته بلوغ نوع من التجربة الروحيّة الشخصية خارج الأطر المؤسسية. في هذا الحوار الذي أنجز في أواخر التسعينيات، يقدّم سكورسيزي قراءة ذاتية لمساره الفني والإنساني، انطلاقاً من تربيته في حيّ إيطالي‑أميركي نيويوركي مطبوع بالتقاليد الكنسية، وصولاً إلى تأملاته في معنى الإيمان والذنب والخلاص كما تنعكس في أفلامه.
يروي المخرج كيف شكّلت طفولته في بيئة كاثوليكية محافظة نقطة انطلاق لتكوّن نظرته إلى العالم، إذ كان الاحتكاك بالكنيسة والطقوس والتعاليم جزءاً من الحياة اليومية، قبل أن يتحوّل تدريجياً إلى مجال للتساؤل والنقاش الداخلي. ويستعيد انبهاره المبكر برموز القداسة، وصور المسيح والقديسين، واللغة الأخلاقية الحادّة التي تفصل بين الخطيئة والطهارة، والتي ستتسرّب لاحقاً إلى شخصياته السينمائية الممزّقة بين العنف والرغبة في التوبة. هذا المخزون الثقافي والديني، كما يشرح، لم يبقِه في موقع المؤمن المطيع، بل دفعه إلى مساءلة جدوى الطقوس حين تنفصل عن التجربة الروحية الحيّة.
وفقاً لما جرى تداوله من هذا الحوار، يصرّح سكورسيزي بأنه يسعى إلى التحرّر من ثقل المؤسسة الدينية من أجل الاقتراب من إحساس أكثر صفاءً بالروحانيّة، معتبراً أنّ الإيمان لا يُختزل في الالتزام الحرفي بالعقائد أو في الانضباط الطقسي. يتحدّث عن مسار شخصي بدأ بشعور بالانجذاب إلى حياة الكهنوت في شبابه، قبل أن يختار السينما بوصفها فضاءً يسمح له بطرح الأسئلة نفسها التي كانت تشغله في المجال اللاهوتي، لكن بأدوات الصورة والحكاية لا عبر الخطاب العقائدي. هكذا تحوّلت الكاميرا بالنسبة إليه إلى وسيلة للتفكير في الخطيئة والفداء، وفي التوتّر بين العنف والبحث عن معنى يتجاوز اليومي.
في هذا السياق، تبرز أفلام مثل «الإغراء الأخير للمسيح» و«الصمت» بوصفها محطات أساسية في علاقته بالموضوع الديني، إذ يقدّم في الأولى قراءة تخييلية لحياة المسيح تضعه في مواجهة رغبات بشرية معقّدة، بينما يتوغّل في الثانية في صراع المبشّرين الكاثوليك في اليابان خلال القرن السابع عشر. هذه الأعمال تعكس رغبة المخرج في التعامل مع الشخصيات الدينية ليس كرموز جامدة، بل كبشر يختبرون الشك والألم والانكسار، وهو ما يمكّنه من إظهار الإيمان كتجربة متقلّبة لا كيقين ثابت. من خلال هذا المنظور، تصبح الروحانيّة في سينماه مساحة للتساؤل أكثر منها مسلّمة جاهزة.
الحوار الذي أُعيد تداوله مؤخراً يبيّن أيضاً كيف ينظر سكورسيزي إلى العنف والجريمة في أفلامه كحقول للتأمل الأخلاقي، لا مجرّد عناصر للإثارة أو الترفيه. فشخصيات العصابات والرجال الممزّقين بين ولاءاتهم العائلية وضمائرهم الفردية تُبنى غالباً على خلفية من الشعور بالذنب والحاجة إلى التبرير أو الاعتراف، وهو ما يربطها بشكل غير مباشر بالإرث الكاثوليكي الذي ينطلق من مفهوم الخطيئة والاعتراف والغفران. بهذا المعنى، تتجاور الحانة والكنيسة في عالمه البصري كفضاءين يتداول فيهما البشر قلقهم وانكساراتهم، وإن اختلفت اللغة بينهما.
كما يسلّط الحوار الضوء على موقع سكورسيزي داخل هوليوود، بوصفه مخرجاً ظلّ حريصاً على أن يبقي جزءاً من عمله مفتوحاً على الأسئلة الوجودية، بعيداً عن منطق الإنتاج التجاري الخالص. فهو يقدّم نفسه كفنان يحاول استثمار الحرية التي تتيحها له الصناعة الأميركية للعودة مراراً إلى الموضوعات نفسها: العلاقة بين السلطة والعنف، هشاشة الإنسان أمام إغراءات القوة، والسعي المتكرر إلى نوع من الخلاص الشخصي ولو في شكل اعتراف متأخر أو تضحية غير مكتملة. هذه العناصر تجعل من أفلامه مادة متجددة للقراءة من زوايا فلسفية ودينية، كما تظهر في إعادة نشر هذا النوع من الحوارات القديمة.
إعادة إبراز هذا الحوار اليوم تأتي في لحظة يتزايد فيها الاهتمام بدور المخرجين المخضرمين في المشهد السينمائي العالمي، خصوصاً في ظل التحوّلات التقنية التي أدخلتها المنصّات الرقمية والذكاء الاصطناعي على عملية الإنتاج والتلقي. في هذا السياق، تبدو شهادة سكورسيزي حول بحثه عن روحانيّة فردية خارج البنى المؤسسية ذات صدى خاص لدى جمهور يختبر هو الآخر تحوّلات في علاقته بالمقدّس وبالسلطة الثقافية والتقليدية. كما تمنح هذه الأفكار مادة إضافية لمن يدرسون تداخل المسارات الشخصية للمخرجين مع الخيارات الجمالية والسردية التي يعتمدونها.


